سيد محمد طنطاوي

81

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بالزكاة في قوله * ( وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ ) * الزكاة المفروضة . والمراد بالقرض الحسن في قوله * ( وأَقْرَضْتُمُ اللَّه قَرْضاً حَسَناً ) * الصدقات غير المفروضة التي يبذلها القادرون عليها في وجوه الخير المتنوعة بدون رياء أو أذى وفي التعبير بقوله : * ( وأَقْرَضْتُمُ اللَّه قَرْضاً حَسَناً ) * تأنيس للقلوب وترغيب للنفوس في البذل والعطاء ، حيث شبه - سبحانه - ما يعطى للمحتاج رغبة في الثواب بالقرض الذي سيكافئ اللَّه - تعالى - صاحبه عليه بأضعافه من الخير والنعم . وأضاف - سبحانه - الرسل إليه في قوله * ( وآمَنْتُمْ بِرُسُلِي ) * لتشريفهم وتكريمهم وتعظيم شأن رسالاتهم وللإشارة إلى أن الايمان بهم جميعا واجب ، فمن أطاعهم فقد أطاع اللَّه ، ومن كفر بواحد منهم كفر باللَّه - تعالى - . ثم بعد أن فتح اللَّه - تعالى - لهم باب كرمه إن أدوا ما أمرهم به حذرهم من المخالفة والعصيان فقال : * ( فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ) * أي : فمن جحد منكم شيئا مما أمرته به فتركه ، أو أعرض عن التكاليف التي كلفته بها بعد أن عرفها فقد بعد عن السبيل المستوية ، أخطأ الطريق الواضح المستقيم ، وسار في متاهات الضلال التي لا هداية فيها ولا خير معها . فالجملة الكريمة تهديد شديد لمن ترك الدين الحق واتجه إلى الأديان الباطلة . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضل سواء السبيل ، فلم قال : * ( فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ ) * ؟ قلت : أجل من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضل . ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم : لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة ، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وبلغ النهاية العظمى » « 1 » . وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت أن اللَّه - تعالى - قد أخذ الميثاق على بني إسرائيل بأن يقوموا بالتكليفات التي كلفهم بها ، وحذرهم من النقض والخيانة والكفر ، ورغبهم في الطاعة والإيمان فماذا كان موقفهم من عهود اللَّه - تعالى - ؟ لقد بين - سبحانه - جانبا من رذائلهم ، ومن العقوبات التي عاقبهم بها بسبب فسوقهم عن أمره فقال : * ( فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ، لَعَنَّاهُمْ ، وجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً ، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِه ونَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِه ) * . والفاء في قوله : * ( فَبِما نَقْضِهِمْ ) * للتفريع على ما تقدم من الحديث عنهم ، والباء للسببية

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 615